أخبار عاجلة

تابع إحصائيات فيروس كورونا لحظة بلحظة

أزمة عام 2000: القصة المنسية عن الحريرية الوطنية وصندوق النقد

أزمة عام 2000: القصة المنسية عن الحريرية الوطنية وصندوق النقد
أزمة عام 2000: القصة المنسية عن الحريرية الوطنية وصندوق النقد

إشترك في خدمة واتساب

كتب عبادة اللدن...

هناك حساب قديم مع الحريرية الوطنية يجب أن يُفتح الآن، في ضوء الأزمة الراهنة.

في تشرين الأول من العام 2000، كان قد مضى على بداية عهد الرئيس الأسبق إميل لحود مثل الذي كان قد مضى من عهد حين اندلعت ثورة 17 تشرين الأول 2019.

التشابه في أرقام الأزمة المالية والاقتصادية في التشرينين مثير للدهشة. حين شكل رفيق الحريري حكومته الأولى في عهد لحود، كان هذا هو الوضع الذي واجهه:

- في نهاية العام 2000 كانت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي 151%، أي ما يعادل بالضبط ما كانت عليه النسبة قبيل ثورة 17 تشرين! كان حجم الدين العام قد تجاوز 24 مليار دولار، في حين لم يكن حجم الاقتصاد (الناتج المحلي الإجمالي) يتجاوز 16 مليار دولار.

- تماما كما هو الحال اليوم، كانت البلاد تواجه "العجز التوأم"، أي المزيج بين عجز الميزانية العامة وعجز ميزان المدفوعات.

- كان عجز الميزانية يعادل 24% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ضعف ما هو عليه اليوم.

- أدى الضغط على الليرة في ذلك الحين إلى هبوط احتياطيات مصرف بالعملة الأجنبية إلى 5.7 مليار دولار، لا أكثر.

- دخل الاقتصاد في الركود في العام 1999، مع تسجيله نموا سلبيا بـ -1%، قبل أن يعود لتسجيل نمو لم يتعد 1.3% في العام 2000.

 

السياق الذي أوصل إلى تلك الأزمة بدأ بالتباطؤ الاقتصادي الذي تلا العدوان الإسرائيلي في نيسان 1996، لكنه استفحل بعد انتخاب إميل لحود رئيسا للجمهورية، وتشكيل حكومة العهد الأولى برئاسة سليم الحص. تلك الحكومة التي انتهجت سياسة تقشفية، وأكثرت من الحديث عن "التركة الثقيلة"، وسياسات السنوات الماضية، تماما كما تفعل حكومة حسان دياب. كانت الحصيلة أن عجز الميزانية اتسع إلى الضعف خلال عامين، وارتفع الدين العام بنحو ستة مليارات دولار، أي ما يعادل 40% من الناتج المحلي في تلك الأيام.

حين عاد الحريري إلى الحكم، كان المأزق على الورق مطابقا للمأزق الحالي: لا يمكن طبع المزيد من العملة الوطنية لتغطية العجز، لأنّ ذلك يعني انهياراً محتما لليرة، ولا يمكن الاستمرار في الاقتراض الخارجي، في ظل الوضع السيّء للمالية العامة. كانت كل الأرقام تشير إلى أن الخروج من الأزمة مستحيل من دون برنامج تمويلي مع صندوق النقد الدولي، ومن دون تحرير سعر الصرف.

القصة المنسية أن رفيق الحريري ووزير المالية حينها فؤاد السنيورة ووزير الاقتصاد الشهيد باسل فليحان وضعوا خطة مالية – اقتصادية للخروج من الأزمة، ونفذوا على مدى عامين، إصلاحات لم يعرف لبنان مثلها منذ العهد الشهابي. ولولاها لما كان ممكناً أن يتجنّب لبنان التعثر، على نحو ما فعلت حكومة حسان دياب، ولما كان ممكناً أن يتجنّب انهيار الليرة واللجوء إلى صندوق النقد الدولي.

تلك القصة يحلو لرئيس الجمهورية ميشال عون أن يمحوها من التاريخ (قال إنّ خطة حكومة دياب هي الأولى، "بعدما كاد عدم التخطيط وعدم استشراف المستقبل ان يصل بالوضع الى الخراب"، وفق تعبيره).

في وقائع التاريخ أنّه بعد أربعة أشهر فقط من تشكيل حكومة الحريري، انعقد في قصر الإليزية مؤتمر "باريس 1"، بتاريخ 27 شباط 2001، برئاسة الرئيس الفرنسي جاك شيراك وبحضور رئيس "البنك الدولي" في ذلك الحين جيمس ولفنسون، ورئيس "المفوضية الأوروبية" رومانو برودي، ونائب رئيس "البنك الأوروبي للاستثمار" فرنسيس ماير، ووزير المال والاقتصاد والصناعة الفرنسي لوران فابيوس.

عرضت الحكومة اللبنانية في ذلك الاجتماع خطتها لخفض العجزين في الميزانية والحساب الجاري، وتحفيز النمو. واستبقت ذلك بدفعة أولى من الإصلاحات، شملت خفض المعدل العام للتعرفة الجمركية من 12% إلى 6%، والعمل على إنشاء الشبّاك الموحد للمستثمرين، وإقرار سياسة الأجواء المفتوحة، وإقرار قانون تملّك الأجانب، وقانون مكافحة غسيل الأموال، الذي سمح بإخراج لبنان لاحقا من قائمة FATF للدول غير المتوافقة مع المعايير الدولية على هذا الصعيد. كما قرّرت الدولة خصخصة قطاع الكهرباء وإصلاح نظام الضمان الاجتماعي.

أثمر اجتماع باريس الأول نتيجتين أساسيتين: الأولى هي الاتفاق على التحضير للمؤتمر الموسع اللاحق الذي عرف باسم "باريس 2" بعد أن تتقدم الحكومة في تطبيق الإصلاحات، والثانية هي تقديم هبات وقروض للبنان بقيمة 500 مليون يورو، وهو رقم كان يعادل 3% من الناتج المحلي الإجمالي في ذلك الحين، ويمكن معادلته بنحو 1.6 مليار دولار قياسا بحجم الناتج المحلي قبل ثورة 17 تشرين.

بين شباط 2001 وتشرين الثاني 2002، الموعد الذي انعقد فيه مؤتمر "باريس 2"، أعد  الحريري  خطة تضمنت أكبر إصلاحات مالية في تاريخ لبنان، كان قد بدأ تنفيذ جانب كبير منها بالفعل على مدى العامين السابقين.

لم يكن انعقاد "باريس 2" منعطفا في التاريخ الاقتصادي للبنان فحسب، بل في التاريخ السياسي أيضا. تطلب الأمر من رفيق الحريري أن يزور دمشق مرّتين قبل المؤتمر، ومرّة بعده مباشرة، ليحدّ من هواجس الرئيس السوري بشار الأسد تجاهه. كان مشهدا غير مسبوق للبنان أن تجلس الدولة الخاضعة للهيمنة السورية على الطاولة وحدها، في مؤتمر يستضيفه الرئيس الفرنسي جاك شيراك، ويحضره قادة عدد من الدول الأوروبية ورئيس "المفوضية الأوروبية"، ورؤساء عدد من المؤسسات الدولية والصناديق العربية.

تضمنت الخطة برنامجا لخصخصة قطاعات الهاتف والكهرباء والمياه والمواصلات، ترافقه عمليات تسنيد، لتوفير تدفقات مالية تبلغ 5 مليارات دولار، تدخل في صندوق خاصّ تُحوَّل إليه أيضا الفوائض المحققة في الحساب الأولي للموازنة، ويخصّص حصراً لخدمة الدين العام وإطفائه. وكان من المنتظر أن يؤدي ذلك إلى توفير قرابة 700 مليون دولار سنوياً من خدمة الدين على الخزينة.

كما تضمنت الإصلاحات تطبيق الضريبة على القيمة المضافة اعتبارا من مطلع العام 2002، وهو ما سمح بتحقيق أول فائض أولي في الموازنة بعد الطائف (هذا الفائض الذي أشار إليه جبران باسيل مؤخرا في معرض التقليل من الفظاعات المالية في ملف الكهرباء!). وكانت تقديرات موازنة العام 2003 تشير إلى انخفاض العجز بمقدار 1.2 مليار دولار، ما يعادل تحسنا بنسبة 43% قياساً إلى العجز في العام 2002 ونحو 7% قياساً إلى إجمالي الناتج المحلي.

ومن الإصلاحات التي سبقت انعقاد "باريس 2" ما تطلب مواجهة سياسية قياسية، إذ تم صرف الفائض الهائل في تلفزيون لبنان، واتُخذ القرار بإحالة فائض الموظفين في الإدارات العامة إلى مجلس الخدمة لإلحاقهم بوظائف شاغرة.

 

الميدل إيست والكهرباء

لكن في قصة إصلاحات "باريس 2" مفارقة تلخّص كل ما جرى خلال عشرين عاما بعد ذلك. كانت شركة "طيران الشرق الأوسط" لا تقل استنزافا للخزينة عن مؤسسة كهرباء لبنان. في العام 1998 مثلا، بلغت خسائر "الميدل إيست" 87 مليون دولار، بينما بلغت التحويلات إلى "كهرباء لبنان" 64.8 مليون دولار. كانت خصخصة الكهرباء مدرجة على الخطة، حالها حال إعادة هيكلة "الميدل إيست". والفارق بين ما جرى في الكهرباء وما جرى في "الميدل إيست" يلخص الفارق بين تطبيق خطة "باريس 2" وعدم تطبيقها.

لم يكن الأمر نزهة على أي حال. تطلب إصلاح "الميدل إيست" إرادة سياسية صلبة في العام 2001، لتنفيذ القرار الحاسم بصرف فائض الموظفين في الشركة، حتّى وصل الأمر إلى محاصرة رئيس مجلس الإدارة محمد الحوت في مكتبه. حينها وقف أحد نواب "" في ذلك الحين عمار الموسوي مع الموظفين المعتصمين على مدخل الشركة ليربط الأمر بالمواجهة مع العدو الصهيوني. قال الرجل حينها: "أين كان هؤلاء حين كانت دماؤنا تتشظّى على الجدران؟"!

النتيجة واضحة بعد عشرين عاما: "كهرباء لبنان" كبدت الخزينة أكثر من 40 مليار دولار من الدين العام، فيما تحولت "الميدل إيست" إلى الربحية، واشترت أسطولا من الطائرات وواظبت على تحديثه من دون أن تكبّد الخزينة قرشاً واحداً، وباتت ترفد المال العام بتوزيعات سنوية بقيمة 55 مليون دولار. كان يمكن لخصخصة الكهرباء أن تؤتي نتائج مماثلة، لو لم يقف في وجهها الفريق المقابل.

بقية القصة معروفة. بعد أشهر قليلة من "باريس 2"، أسقط النظام السوري حكومة الحريري، وأُجبر الرجل على تشكيل حكومة بموازين قوى مختلفة تماماً، وعاد النظام الأمني ليفرض سطوته على مفاصل الحياة السياسية. فطُويت صفحة الإصلاحات، وصُوّرت الخصخصة على أنّها شيطان يجب لعنه صبحاً ومساءً.

قيل للبنانيين إنّ الخصخصة ستذهب بأصول الدولة بثمن بخس. لنفترض أنّ الدولة باعت "كهرباء لبنان"، بأرضها ومعاملها وشبكة توزيعها، وبدولار واحد في ذلك الحين، هل من سعر أبخس من هذا؟ ألم تكن لتوفر على اللبنانيين 40 مليار دولار وأزمة هذه الأيام لو فعلت؟

ألا يحقّ للحريرية الوطنية اليوم أن تعيد فتح الحساب؟

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى بعد استنزاف الاحتياطي: الدولار إلى 21 ألف ليرة؟