تابع إحصائيات فيروس كورونا لحظة بلحظة

صوت من باكستان

صوت من باكستان
صوت من باكستان

إشترك في خدمة واتساب

خلت كلمة اليوم العالمي للمسرح 2020، والتي تُرجمت إلى ستين لغة، وذاعت في مائة دولة في 27 مارس/ آذار الحالي، وكلّف بكتابتها الباكستاني شهيد نديم (1947)، خلت من أي إشارةٍ إلى فيروس ومخاطره الماثلة، ومن الضرر الذي أحدثه بفعاليات الاحتفالات العالمية بالمناسبة السنوية هذه، فاقتصرت على بثّ مسرحياتٍ معدودةٍ على الشبكة العنكبوتية من موسكو. لم يُنشر ما إذا كان الفنان والناشط والمناضل، شهيد نديم، أنجز كلمته قبل أن تشتد جائحة الفيروس في العالم، أو أنه آثر إهمال أمرها طالما أن الكلمة، الغزيرة المضامين، اشتملت على دعوةٍ معلنةٍ إلى رفض الكراهية والتعصّب والعنف والدكتاتورية ووقف المجاعات والحروب. وإذا كان الكاتب، سجين الرأي ثلاث مرّات في بلاده، قد تعمّد إغفال كورونا في كلمته الرفيعة السويّة، فإنه نجح، أيما نجاح، في التذكير بأن ثمّة أمراضا في الدنيا تفتك بالمجتمعات والأمم والشعوب في غير رقعة. ومن بليغ المعاني في الذي طرحه هذا المثقف الذي نتعرّف عليه في هذه المناسبة (كتب خمسين مسرحية بالبنجابية والأوردية) أنه جاء فيها على ما يُغالبه المسرح في باكستان، بلده الذي رأى اعترافا به (!) في تكليف شخصه بإعداد كلمة اليوم العالمي للمسرح لهذا العام. جاء فيها بالضبط أنه "أصبح من الضروري على جميع الفنانين المسرحيين أن يثبتوا للجميع أنهم مسلمون ومواطنون صالحون أولاً، ثم إثبات أن المسرح والموسيقى والرقص فعل مباح في الإسلام". 

ابتعدت كلمة شهيد نديم، المسلم الكشميري المولد، المنشدّ إلى المزاج الصوفي في أعماله، عن الأفكار المجردة، والوعظيات المعهودة. راحت إلى التجربة نفسها، فأضاءت على ما تصنعه الفرقة المسرحية التي يقودها الكاتب، وأسّستها قبل 35 عاما زوجته الراحلة قبل سنتين. ومما يتبدّى في ما عرّفنا به عن هذه التجربة إلحاحٌ متوطّن في الرجل على المشترك الإنساني، وعلى مساحات اللقاء، بين الشعبين، الهندي والباكستاني. وحسنا فعل لمّا ضمّن كلمته إشارةً غير موجزة إلى عروضٍ مسرحية أدّتها فرقته في الهند، واستقبالها الطيب هناك، وهو الذي استهل الكلمة بتعريف بلده، باكستان، بأنه تقطنه أغلبية مسلمة شهد حكم ديكتاتوريات عسكرية عديدة، وهجمات المتطرّفين الدينية، وثلاث حروب مع "الهند التي تشاركنا الجوار، التاريخ، التراث منذ آلاف السنين، وما زلنا نعيش حالة الخوف من الحرب النووية معها، لأن كلا البلدين يمتلكان أسلحة نووية".
ولمّا وجد شهيد نديم في "تشريف" المعهد الدولي للمسرح في باريس له بكتابة كلمة المناسبة اعترافا مثيرا بالمسرح الباكستاني، فإنك، أنت العربي، إذ تقرأ هذا، ستفطن إلى الجهل الوفير بما ينتجه هذا البلد الجار، والمسلم، في أوساطنا المشتغلة بالتنشيط الثقافي والفني وبتنظيم المهرجات والمناسبات الاحتفائية بالإبداعات والفنون والآداب. وكاتب هذا التعليق، مثالا، لا يتذكر أنه شاهد مسرحية من باكستان، أو سمع أمسية موسيقية أو سهريةٍ فلكلورية من هذا البلد، وهو الذي يقيم في الخليج منذ 25 عاما، وبين ظهرانيه باكستانيون بلا عدد. وقد ينسحب هذا الشاهد على عربٍ كثيرين من المهتمين بالثقافة والآداب والإعلام، وليس فقط فيما يخصّ جيراننا وأصدقاءنا في باكستان، وإنما ينصرفُ الحال أيضا إلى آداب وفنون آسيوية كثيرة، من الهند والصين مثلا. ولسببٍ مثل هذا، يجوز افتراض أهميةٍ مضاعفةٍ لمطالعة كلمة اليوم العالمي للمسرح، المعلنة يوم الجمعة الماضية، فقد جاءت من مسرحي خبير، وفنان مجرّب، من بلد تقترن صورته بالفقر وفساد النخبة السياسية والاغتيالات والصدامات المذهبية وتفريخ المجموعات الإسلامية المتطرّفة (وإنْ يترأس حكومتها لاعب كريكيت)، فالكلمة تذكّرنا بالبديهية المتغافل عنها غالبا، وموجزها أن الجوهري والخالد إنما في فنون الشعوب وثقافاتها وتعبيراتها عن وجدانها، وفي الذي ينجزه مبدعون منشغلون بالحرية والعدالة والجمال والحق، لا في الخراب الذي يصنعه تجار القتل من أي يافطةٍ سياسيةٍ أو أيديولوجيةٍ كانوا.
.. هي دعوةٌ هنا إلى مطالعة أطروحةٍ رهيفة، في كلمة شهيد نديم، الباكستاني الذي غافل الانشغال بكورونا بتذكير العالم بفيروساتٍ قاتلة أخرى عديدة، ولكنها منظورةٌ بالعيون المجرّدة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى يوم عون التاريخي: التخلص من "كابوس" رفيق الحريري