تابع إحصائيات فيروس كورونا لحظة بلحظة

رينيه غينون .. عقل فرنسا المسجون

رينيه غينون .. عقل فرنسا المسجون
رينيه غينون .. عقل فرنسا المسجون

إشترك في خدمة واتساب

(يرى غينون أن الحضارة الغربية هي الحضارة الوحيدة التي خلقت نمطاً من العلم، الذي لا يهدف إلا إلى المصلحة المادية، وتكديس الثروة وتطوير الأدائية، وقصر اهتمامها على الأهداف الصناعية، والاختراعات الميكانيكية. ويتهم غينون بحسره، الفلسفة الغربية الحديثة، بوضع حدود تعسفية والاهتمام بأمور دقيقة غير ذات قيمة. وقد منعت الدراسات الاستشراقية عن الإسلام، كل سبل الوصول إلى هذا الفهم لغينون، في ضوء أفكاره عن الثبات والاستقرار والتغير، كقوة لا نظير لها في الحضارة الإسلامية..).. وائل حلاق.

يُقال إن ديغول رد على طلب الإذن باعتقال ميشيل فوكو، في أحداث جامعة فنسن، بأنه لن يفعل (حتى لا يُقال إن فرنسا تعتقل عقلها)، والحقيقة أن دور فوكو الضخم في التأثيرات الفكرية أو مكانة الحفر التفكيكي، ضمن المنظومة اليسارية أو حتى داخلها، حقق سمعة كبرى لفرنسا باسم حرية المعرفة، وقد أعلنت باريس بالفعل اعتبار مؤلفات فوكو ثروة وطنية لقوميتها. وباتجاه معاكس عبر تقييم الفكر يبدو أن باريس حيّدت الفيلسوف الفرنسي رينيه غينون، حتى في لغة الترجمة عنه، من الرواق الأكاديمي حتى تعريف ويكيبيديا، إذ أن إسلام رينيه غينون وتمسّكه بنزعته الصوفية حتى الرحيل، أسقط الميزان العلمي والفكري المفترض أن يتم التعامل معه، مع أفكار رينيه غينون، المستشرق الفرنسي الذي قرّر أن يستقر في مصر في العام 1930 ويتزوج منها، على الرغم من أنه كتب قبل رحيله أكثر من أربعة مؤلفات 
"ظلت ممارسات ميشيل فوكو المتعدّدة المنعطفات، ضمن ما قال رفاقه إنها تجربة أداتية فلسفية أيضاً، لأفكاره، وخصوصاً تاريخ الجنسانية"
رئيسية، ضمن النقد الفلسفي الآخر الذي لا تعترف به أوروبا، خصوصا كتابه "أزمة العالم الحديث". وفي حين رفض العودة الى باريس، عاش غينون حالة متقشفة بسيطة، وأعلن استقلاله عن الأكاديمية الغربية التي كان من الممكن أن تُمطر عليه ثروة ومنصباً، لو تحول إلى فيلسوف يعرض الشرق بمرجعية الاستشراق الفرنسي، كما فعل رينان وماسينيون، فيضمن حضوراً فخماً في أوروبا، ومرجعية تفرض نفسها على أروقة الشرق (المتخلف) الذي يوضع دائماً في مقام التلمذة، أمام الأكاديمية الغربية. وهي تلمذة قهرية، ليست بسبب فشل النظام الرسمي في الشرق، منذ تخلّف العثمانيين حتى استبداد العرب الجديد، بعد تقسيم أقاليمهم، ولكنها سياسة كولونيالية قائمة منذ عهد الاستشراق الأول، فمن النادر أن تشجع الأكاديمية الغربية روح الفلسفة الأخرى القادمة من الشرق، فضلاً عن النزعة المعرفية الإسلامية المجادلة فلسفياً للغرب. وبحسب وائل حلاق، هناك اهتمام غربي جديد خلال العقد الأخير بالنزعة الغزالية في الفلسفة التي طوّرها في الرواق الجديد غينون، في النصف الأول من القرن العشرين، وبالتالي يعود بعض الباحثين إليه اليوم.
وفي الحقيقة هنا وقفة مهمة للغاية في التأمل في التاريخ الاجتماعي للمؤلف ومعيارية التقييم، لا يمكن أن نغادرها اليوم، إذا كانت هناك إرادة معرفة حرّة بالفعل، تسعى إلى العودة إلى التشريح المنطقي لخلاصات الفلاسفة المعاصرين، وفهم لماذا تصدّرت رؤيتهم ولماذا طُمرت الرؤى الأخرى. ونحن هنا أمام مثالين مهمين، على الرغم من التفاوت الزمني البسيط، حيث رحل فوكو في 1984 وسبقه غينون في 1951، غير أن الفارق المنهجي الرئيسي هنا يُعطي أهمية بالغة لطرح رؤية غينون في مقابل رؤية فوكو، وكون أن الظرف النفسي، في حياة 
"هل كانت فلسفة غينون مكتملة الأركان، أم أنها كانت مجرد طلاسم أو تدوينات في علم غيب الأرواح ونعتها بالميتافيزيقيا"
الشخصيتين والسلوك الحياتي، والنهاية الأخيرة، هي ضمن أدوات التفكيك الضرورية، فلا يجوز أن تغيب اليوم، ويثبت إغفالها وكأنه متطلب للدراسات الأكاديمية، أو يبرّر بأنه احترام للاختيارات الشخصية للفيلسوف والمؤلف، فنحن اليوم بحاجة إلى سوسيولوجيا حياة المؤلف للفهم العلمي، وليس لتحقيره أو تعظيمه الشخصي. بل إنه في حالة ميشيل فوكو، ظلت ممارساته متعدّدة المنعطفات، ضمن ما قال رفاقه إنها تجربة أداتية فلسفية أيضاً، لأفكاره، خصوصا تاريخ الجنسانية. وفي حالة غينون الذي نعرض لفلسفته مستقبلاً، سننظر هل بالفعل كانت فلسفة مكتملة الأركان بغض النظر عن صوابها أو خطئها، أم أنها كانت مجرد طلاسم أو تدوينات في علم غيب الأرواح ونعتها بالميتافيزيقيا، الموظفة في مصادر توصيف مؤلفات غينون، وبالتالي أُخرج غينون من ميدان الفهم الإنساني، والتشريح النقدي لمآلات العالم الحديث.
وهذا كله لا يعني مطلقاً أن نعتبر الجهد الذي انتهى إليه فوكو محض خطيئة، بناءً على سلوكه، ولكنه أيضاً، يعيد تذكير العالم بأحد أهم مقدسات الغرب الفلسفية التي سادت وظروف تأليفها، حين كتابتها. ومنتصف الطريق المهم للغاية في معادلة فوكو، في النظر إلى المعرفة، بمعزل عن القوة المهيمنة، هو متحد مع رينيه غينون، ولكن سؤال النصف الآخر، هو المغزى الأصلي لعالم اليوم.
سواءً استحضرنا إغراق رينيه غينون في التفسير الروحي، وفي قراره الذاتي لحياته الشخصية، 
"خلال موسم إلقاء محاضراته، أصبب فوكو بالإيدز في سان فرانسيسكو، ومات بسببه"
أو استحضرنا منعطفات فوكو ونهايته، فنحن هنا نحترم المفكر، ونحترم الحقيقة التي سعى إليها، ونفهم كيف أخفق في ذلك، وكما قال أرسطو: أحبّ أفلاطون ولكن الحقيقة أحب إليّ منه... فإقدام فوكو على محاولة الانتحار، ثم توسّعه في السادية المثلية، وصولاً إلى دعم عريضة رفع الحماية عن القُصَّر، بدعوى قبولهم، ووضعهم تحت الممارسات المثلية السادية التي كثف ممارستها، في تهديدٍ مروّع لعالم الطفولة، ثم إغراقه، في مستقره الأميركي الأخير، في ممارسة السادية المثلية بعد جرعة مخدرات خطيرة، وخلال موسم إلقاء محاضراته، قبل أن يصاب بالإيدز في سان فرانسيسكو، ويموت بسببه، هي متداخلة بعمق مع ثقافةٍ تسود الغرب اليوم للتفسير الجنساني للعالم، وإسقاط الأسرة.
فإذا كان هذا التصوف والانقطاع الروحي والزواج والقناعة به في البيئة المصرية، حتى أن غينون سمى بيته حباً لزوجته المصرية دار فاطمة، وآخر كلمة نطق بها قبل الرحيل (الله)، كان ضمن مسببات تحييد فلسفة كتبه عن الاستحقاق البحثي، فإن القاعدة نفسها، ولأهمية أكبر، تقودنا إلى النظر في إرث فوكو الذي أعطيت كل المنابر له، وعزل عقل غينون في سجن الحقيقة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق حكومة ما بعد العيد: لجم الدولار أو الفوضى
التالى يوم عون التاريخي: التخلص من "كابوس" رفيق الحريري