تابع إحصائيات فيروس كورونا لحظة بلحظة

ما موقف العالم منا بعد كورونا؟

ما موقف العالم منا بعد كورونا؟
ما موقف العالم منا بعد كورونا؟

إشترك في خدمة واتساب

في معمعة المعارك الدائرة في كل بقاع الأرض مع أكبر كارثة تواجهها البشرية منذ الحرب العالمية الثانية، المعركة مع فيروس كوفيد - 19، يتطلع العالم إلى ما بعد ، وكيفية لملمة ما انهار أو تصدّع من اقتصاداتٍ كانت تبدو، حتى الأمس، قوية راسخة، فإذا بزلزال بهذه الشدة يزعزعها، ويهدد بتغيير خريطة البشرية. كل دولة من الدول المنكوبة تعدّ العدّة لمواجهة الغد القريب، وتضع الخطط الاستراتيجية والتكتيكات مواكبة لمواجهتها الفيروس المتفشي، والذي ينفجر بالتتالي في أرجاء العالم، حيث تواجه أوروبا انفجاره الأعظم حاليًا. ربما بعد هدوء الزلزال، سوف تكون هناك تعديلات، خصوصًا لأن من طبيعة الزلازل أن تلحقها هزّات ارتدادية، وهذا ما سوف يكون تحدّيًا آخر للنظام العالمي. من هذا المنطلق، أو النتيجة المنطقية التي لا تحتاج إلى استقراء وترصدٍ كثيريْن، لأن تجارب التاريخ تمدنا بالبراهين الكافية، سوف تكون مشكلة اللاجئين في كل العالم في سلم الأولويات، لأن من الواضح، بحسب المؤشرات الأولية، أن الانكفاء نحو المحلية سيكون الأسلوب الأكثر ممارسة بالنسبة للدول، وأن العولمة التي صاغت منظومات العالم الاقتصادية بشكل أساسي سوف تتعرّض لأكبر امتحان بعد هذه المحنة. ومن المتوقع أن تتعرض قواعدها للدراسة والتعديل، وربما نشهد انهيار اقتصادات وصعود أخرى، ولكن هل ستبقى القوانين الناظمة كما هي؟ وهل ستنهض الحضارة العالمية الحالية من نكستها وتصوغ مبادئها من جديد؟ من البديهي أن مئات

"العولمة التي صاغت منظومات العالم الاقتصادية بشكل أساسي ستتعرّض لأكبر امتحان بعد هذه محنة كورونا"
بل آلاف من الأسئلة تشغل بال الدارسين والمحللين والمشرّعين والمتابعين أيضًا.
ولسنا، نحن شعوب المنطقة العربية، بمنأى عن هذه الزلازل والهزّات المتوقعة بعدها، بل نحن أكثر ضررًا كشعوبٍ واجهت مصيرها وانتفضت قبل عقد من هذه الكارثة، من أجل حريتها وكرامتها وحلمها في بناء دولة حديثة، تقوم على أساس المواطنة، دولة القانون والمؤسسات. ولكن واقع الحال الذي آلت إليه دول المنطقة أن بناها تصدّعت وتراجعت حياة شعوبها إلى مستوياتٍ، لا تناسب كرامة الإنسان، وتجعل البنى الاجتماعية هشّة إلى درجة مقلقة. ونرى أن الحكومات تسعى إلى اتخاذ التدابير المفترضة من أجل مواجهة الجائحة، ولكن هذه البلدان تفتقر إلى البنية التحتية بشدة، ويفتقر الناس إلى مقوّمات العيش، فالكهرباء مشكلة في سورية، والمياه مشكلة، وتأمين السلع الحياتية مشكلة، والاصطفاف والازدحام على أماكن الخدمات يفوق الوصف، كالمخابز والمؤسسات الاستهلاكية وطوابير انتظار غاز الطبخ والوقوف أمام الصرافات الآلية لسحب المرتبات، وغيرها الكثير من دون مراعاة متطلبات الوقاية، عدا عدم توفر إمكانية التباعد الاجتماعي.
هذا في الأماكن التي تحت سيطرة النظام، أما في المناطق الأخرى، كما إدلب أو مخيمات اللجوء، الوضع أكثر قتامة. يكفي أن يكون في الخيمة الواحدة من الخيم المتلاصقة ما يفوق العشرة أشخاص، وأحيانًا خمسة عشر، حتى يمسك الإنسان أنفاسه أمام احتمال الانفجار في كل لحظة. الازدحام في مخيمات اللجوء كارثي، والتباعد الاجتماعي مستحيل، والخدمات غير 
"الازدحام في مخيمات اللجوء كارثي، والتباعد الاجتماعي مستحيل، والخدمات غير متوفرة"
متوفرة، بل باتت ضحلة حتى في حدّها الأدنى، بل بات الموظفون المكلفون بالإشراف عليها وتأمين بعض الاحتياجات لا يأتون في ظل تفشّي كورونا، والإجراءات التي تفرضها الحكومات. ولقد بدأت إرهاصات الإصابات في بعضها، كما في جزيرة ليسبوس اليونانية، فلو بدأت الجائحة تمد رأسها في أرجاء تلك المخيمات لن تُبقي على أحد، وسيصبح كل شخص فيها يمشي خلف جثته، إلى أن يتعثر ويقع معها من دون أن يحظى بترف قبر يُؤوي بقية كرامته الإنسانية، إنها صورة رهيبة.
سوف تكون قضية اللاجئين من القضايا المهمة بعد أن كانت خلافية بالنسبة إلى الحكومات الأوروبية. ولا بد أن توضع في ميزان الترتيبات الاقتصادية للنهوض مستقبلاً في الاقتصاد المتأثر إلى درجة كبيرة بأزمة كورونا، فالدول التي تستضيف لاجئين، وهم ليسوا بالمطلق سوريين، فهناك لاجئون من كل العالم، من البقع التي تأكلها الحروب الممولة من وحوش المال، تتحمل أعباء مالية، ربما لن يكون في مقدورها تحملها في المرحلة المقبلة، بعد أن تحسب كل دولة خسائرها حسابًا دقيقًا، ولن تكون الأولويات بالنسبة إلى العالم الجديد فيما بعد كورونا هي القضية الأخلاقية، على الرغم من أن هذا الفيروس، الجبار على ضعفه، عرّى الحضارة الإنسانية، وأظهر هشاشة المنظومة الأخلاقية لديها، ولا يمكن التعويل على هذه المنظومة في 
"ستكون قضية اللاجئين من القضايا المهمة بعد أن كانت خلافية بالنسبة إلى الحكومات الأوروبية"
الأمد القريب، لأن اللهاث من أجل حماية الاقتصاد وحماية رؤوس الأموال يفوق النية والعزم والمبادرات والتعاون الإنساني من أجل احتواء الكارثة. بين أيدينا نماذج واضحة، فالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي أصبحت بلاده تحتل مرتبة متقدمة من حيث الإصابات التي يتسارع عدّادها يوميًا، يلوح بأن إمكانية فرض قيود صارمة في الحظر أمر قد لا تمارسه الحكومات لديه، لا بد أن نفقد أرواحًا في هذه الكارثة. ولكن لو استمر الحظر سوف يلجأ المواطنون إلى الانتحار، مع عدم إغفال أن الطلب الأكبر في الولايات المتحدة في ظل الأزمة والعزل كان على السلاح. المهم بالنسبة إليه إنقاذ الاقتصاد وحماية الأموال والصمود أمام الحرب المعلنة.
بالنسبة إلى حل مشكلة اللاجئين، ما الذي يمكن أن تقدّمه الدول الأوروبية؟ بعد أن أوشكنا على إكمال عقد من الحروب في منطقتنا، وبعد أن تركت الشعوب تواجه مصيرًا أسود، كانت كل القوى المتصارعة اليوم تديرها، وتجاهر بحرصها على الشعوب ومناصرتها في قضاياها ودعمها من أجل الديمقراطية التي أوفدت جيوشها من أجل إقامتها، ضاربةً عرض الحائط بكل القيم والأخلاق وقرارات المنظمات الإنسانية وحقوق الشعوب والأفراد، عليها الآن، بعد أن تخمد عاصفة كورونا أن تعيد التفكير، وتضع خطة للخروج من تلك الحروب، ودعم الشعوب كما يجب أن تُدعم، بأن تساعدها في تقرير مصيرها وبناء مستقبلها وأوطانها من جديد، إذ لا يمكن أن تعيد اللاجئين إلى مناطق ما زالت النزاعات والحروب تستعر فيها، لا يمكنها إعادتهم إلى بلادهم التي لم تعد كالبلاد، بل عليها أن تضطلع بمسؤولياتها وتساهم في إعادة البناء وترسيخ الاستقرار وعلى الهيئات والمنظمات الدولية أن تمارس سلطتها في إيجاد الظروف الملائمة، وإجبار الدول على سحب جيوشها وإعادة الأرض إلى أبنائها.
هذا الإجراء الذي كان يفرضه الواجب الأخلاقي الذي لم تكترث به تلك الدول، صاحبة المصالح اللاعبة في مصير البشرية، ستكون اليوم مجبرة عليه، فخسائرها التي باتت تكشف عن نفسها تهدّد مستقبلها، ولن يكون في وسعها المضي في سياساتها السابقة. لا أحد يستطيع اليوم التكهن بمستقبل البشرية بعد كارثة كورونا التي صدّعت النظام العالمي الذي يستبطن بذور انحلاله ونخره. ولكن لا يوجد إنسان على وجه الكوكب يتابع ما يحصل إلاّ وسوف يتملكه الخوف والتشاؤم من مستقبل العالم، ويبقى السؤال المقلق يلح في طرح نفسه، هل سيعيد النظم العالمي نفسه، ويستنسخ نسخة عولمة جديدة تتغير فيها البيادق؟ هل ستبقى رقعة الشطرنج مفتوحةً على لعب غايته حماية الملك، حتى لو مات كل الجنود ونفقت كل الأحصنة والفيلة ودمرت القلاع واستبيح الوزراء؟ هل ما سيجنيه العالم بعد هذا الزلزال هو تغيير مواقع الملوك فقط؟
يبقى علينا مسؤوليتنا الخاصة، نحن شعوب الأوطان المستباحة داخليًا بأنظمة قمعية واستبداد ديني واجتماعي، يربطنا بالماضي بحبل سرّي، فنبقى في منأى عن النضج والإسهام في صنع الحضارة الإنسانية، وخارجيًا بمطامع العالم وجيوشه، فنحن جزء من ضحايا كورونا، وبيادق في رقعة الشطرنج الكبيرة. لعب بنا هذا النظام العالمي الفاجر إلى أن ألهاه الزلزال عنا الآن.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق مازن حمدان: متورّط جديد أم كبش فداء لحماية الحاكم؟
التالى شرط دولي تعجيزي... هل بإمكان العهد والحكومة تلبيته؟