أخبار عاجلة
عدوان: للتدقيق بحسابات جميع المؤسسات والوزارات -
قمة "ثأرية" بين الهلال والنصر في نهائي كأس الملك -
أرتيتا يمدح مهاجمه بيبي بعد فوز أرسنال على مولده -
انفجار المرفأ.. المشوار الى “لفلفة” القضية انطلق! -
وهاب: “الله يلعنكن شو هالعصابة” -
بيلسا ينتقد خطة عودة المشجعين -

تابع إحصائيات فيروس كورونا لحظة بلحظة

السُنّة والاستقلال: التوفيق المُكلِف بين لبنان والعروبة

السُنّة والاستقلال: التوفيق المُكلِف بين لبنان والعروبة
السُنّة والاستقلال: التوفيق المُكلِف بين لبنان والعروبة

إشترك في خدمة واتساب

كتب هشام عليوان...

التقى الرئيسان بشارة الخوري ورياض الصلح في عاليه عام 1943، على ما يروي وقائع اللقاء، المؤرخ يوسف إبراهيم يزبك، وكانت الغاية إيجاد اتفاق مسيحي إسلامي في . من هذا اللقاء، وُلد الميثاق الوطني، الذي أنتج لبنان. لكنه كان ثمرة ناضجة لمسار استمرّ 23 سنة، من المؤتمرات، والمذكرات، والمواقف، والتطوّرات الداخلية والخارجية.

سأل بشارة الخوري: "هل تعتقد يا رياض أنّ اتفاقنا يمكن أن يحظى بتأييد إخواننا المسلمين، وأنهم سيقبلون بلبنان كوطن نهائي لهم، لا كمرحلة انتقالية، ولن يتوجّهوا بأنظارهم من جديد إلى دمشق، محطّ آمالهم وأحلامهم...". قاطعه رياض الصلح: "إذا كان اتفاقنا صريحاً وشريفاً، بدون غبن لأحد، وحافظاً لكرامة المسلمين والمسيحيين معاً، مراعياً شعور الفريقين، متضمّناً توزيع الحقوق لمصلحة الجميع على قدم المساواة، أي نظاماً عادلاً ومرناً بالنسبة للمسلمين، أضمن موافقة إخواني، وأتعهّد بإقناع الحكّام العرب، وخصوصاً السوريين بأن من واجبهم الاعتراف باستقلال لبنان، والمحافظة على حدوده الحالية نهائياً وأبدياً". (باسم الجسر، "ميثاق 1943، لماذا كان؟ وهل سقط؟").

كان المسلمون عامة، وأهل السنّة خاصة، ضدّ الانفصال عن سوريا، والالتحاق بلبنان الكبير الذي أعلنه الجنرال غورو عام 1920. وشارك وجهاء المسلمين ومعهم شخصيات مسيحية، في المؤتمرات الأولى رفضاً للبنان، وتمسكاً بالوحدة مع سوريا، بدءاً من المؤتمر السوري العام 1919 - 1920، برئاسة الأمير فيصل بن الحسين، ومذكرة أبناء الساحل إلى المندوب السامي الفرنسي ويغان عام 1923. ثم الاجتماع في "جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية" عام 1926، رفضاَ لسنّ الدستور اللبناني، أو المشاركة في صياغته، إلى مؤتمر أبناء الساحل الذي انعقد في دمشق برئاسة عبد الحميد كرامي، فمؤتمر أبناء الساحل في بيت سليم علي سلام عام 1933. كلّ هذه المؤتمرات والمذكرات الصادرة، كانت تؤكد على وحدة سوريا، ورفض انفصال لبنان ومعه الأقضية الأربعة (البقاع "المعلّقة"، وبعلبك وحاصبيا وراشيا) ومدن الساحل (طرابلس وبيروت وصيدا وصور). إلى أن كان مؤتمر الساحل في بيت سليم علي سلام عام 1936، وفيه تكرّرت المواقف السابقة، لكن شهد تحوّلاً مع ذلك، يُفصح عن فكر سياسي جديد، كان رائده كاظم الصلح، الذي رفض التوقيع على بيان المؤتمر المذكور، ونشر مقالاً في الصحف البيروتية، تحت عنوان "مشكلة الاتصال والانفصال في لبنان". (حسان حلاق، "مؤتمر الساحل والأقضية الأربعة 1936").

هذا الموقف المفصلي هو الذي بنى عليه الرئيس رياض الصلح، لصياغة الميثاق بعد سبع سنوات، ومنه وُلد استقلال لبنان، إذ لولا الميثاق، أي لولا التوافق المسيحي الإسلامي، على نقطتين جامعتين هما: تخلّي المسيحيين عن حماية فرنسا، وتخلّي المسلمين عن الوحدة مع العرب، لما أمكن مجابهة الاحتلال الفرنسي، وفرض الاستقلال عنه، عام 1943، ثم الجلاء العسكري عام 1946.

فما هي الفكرة المفتاحية التي طلع بها كاظم الصلح، فكانت المنطلق؟

في البدء، شرّح كاظم الصلح الأسباب الأولى التي دعت إلى تشكيل لبنان، وتُختصر برغبتين:

- الأولى رغبة فرنسية استعمارية بفصل المنطقة الساحلية عن حكم الدولة العربية الفيصلية بإنشاء حكومة طائفية، تندرج في سياق إنشاء حكومات طائفية أخرى في سوريا، حكومة علوية، وحكومة سنية، وحكومة درزية...

- والثانية رغبة اللبنانيين أو غالبية المسيحيين بإنشاء وطن لا يكونون فيه أقلية يسيطر عليها العنصر الإسلامي الذي كان يُرمى بالتعصّب، فوجدوا ضالتهم في لبنان الحالي.

لكن لاحظ، أنه مع مرور الأيام، تغيّرت الظروف، فالوطنيون السوريون أظهروا من النبل ما جعل مسيحيي لبنان يبدّولون نظرتهم، كما أنّ المسيحيين خاب أملهم بالانتداب الفرنسي الذي يهدّد مصائرهم المستقبلية السياسية والاقتصادية. وعليه، فإن بكركي التي كانت أكبر حجّة لوجود فرنسا في لبنان وسوريا، ذات يوم، أصبحت موطن المعارضة لهذا الوجود بشكله الحالي.

وذهب كاظم الصلح، إلى تفسير جديد لمفهوم الوحدة العربية، معتبراً أنّ انفصال لبنان عن سوريا الكبرى العربية، هو كانفصال سوريا العربية عن العراق العربي. أي إنه لا بأس في هذا الانفصال ما دامت القومية العربية كفكرة تترعرع وتُصان في كلّ قطر: "إلى أن تثبت لهذه الأقطار مصلحتها في الاتحاد فتتّحد، وأن تزيد في الاتحاد بنسبة ما تجد لها من مصلحة". ودعا أخيراً في مقاله إلى أن "يقوم فريق من كرام الناس المفكّرين، فيجتمعوا أو يتباحثوا، أو يتناجوا، أو يتشاوروا، فيجدوا صيغة فكرية، وبرنامجاً سياسياً قومياً، يُخرجون به الوطنية اللبنانية "الانفصالية" والوطنية الوحدوية "الاتصالية" من عالم الإبهام والتنافر، فيوفّقون بينهما لخيرهما معاً". (حسان حلاق، "الجذور التاريخية للميثاق الوطني اللبناني").

مهمة التوفيق والتقريب والصلح، تولاها صلحيّ آخر، هو رياض الصلح. والمفارقة أنّ أجداد الأسرة الذين توطّنوا ، كانوا قضاة صلح في عهد الدولة العثمانية، فسمّوا باسم المنصب الذي توّلوه، وهكذا كانوا في السياسة.

من جهة أخرى، كان لبيروت دور مركزي آخر في الحراك السياسي المُفضي إلى التأسيس للميثاق الوطني، فالاستقلال. فبحسب المؤرخ ألبيرت حوراني، كان هناك سببان لاندماج المسلمين في الكيان السياسي اللبناني: الأول، التأثير المتنامي لمدينة بعدما أصبحت عاصمة لبنان، إذ جذبت عدداً كبيراً من عائلات الجبل، ما أوجد روابط صداقة وعلائق مصلحية بين البرجوازية الجبلية والبرجوازية المدينية. والثاني، إدراك القوميين العروبيين أنّ السبيل الوحيد للتخلّص من الانتداب الفرنسي هو القبول ببعض التنازلات لقاء تنازلات مسيحية مقابلة. (باسم الجسر، "ميثاق 1943، لماذا كان؟ وهل سقط؟").

ومن أبرز الشخصيات البيروتية، التي كان لها أدوار مختلفة وحاسمة، العلّامة المؤرخ محمد جميل بيهم العيتاني، الذي كان رئيساً لـ"جمعية اتحاد الشبيبة الإسلامية" (1929-1941)، ثم أسّس الكتلة الإسلامية ورأسها (1943-1956). بيهم كان وحدوياً كمثل الشخصيات الإسلامية ذات الاتجاه القومي العربي، لكنه كان مطالباً بالمساواة والعدالة في هذا اللبنان، بين المسلمين والمسيحيين. في عام 1929، تحرّك مع رفاقه ضدّ إلغاء المدارس الحكومية. وفي عام 1932، طالب "اتحاد الشبيبة الإسلامية" من المسلمين الإقبال على الإحصاء السكاني الذي نُظّم في ذلك العام. وفي آخر مؤتمر من مؤتمرات الساحل في دارة سليم علي سلام عام 1936، قال إنّ شكل المطالبة بالوحدة مع سوريا يجب أن يتطوّر مع الزمن، وأن يكون بالتفاهم مع اللبنانيين الآخرين، "لأنّنا وإياهم أصبحنا جهة، وأصبحت الدولة المنتدبة جهة".

في أوائل عام 1943، ومع الاقتراب من الصياغة النهائية لميثاق يعمل عليه مفكرون مسلمون ومسيحيون، دعا محمد جميل بيهم إلى اجتماع للعاملين من شتى الطوائف الإسلامية، فانبثقت منه "الكتلة الإسلامية" فكان رئيساً لها، وكان المفتي الشيخ محمد توفيق خالد، وشيخ عقل الدروز الشيخ حسين حمادة، وشيوخ جبل عامل، رعاة لها. وبتوصيف نشاطات الكتلة في السنوات اللاحقة، يمكن اعتبارها جماعة ضغط، داخل النظام اللبناني لا خارجه. ففي سعيها للمساواة والعدالة في الوظائف، قامت على إحصاء الموظفين في دوائر الدولة. وعندما أصدر الرئيس أيوب تابت المرسومين 49 و50، تصدّت الكتلة له، وعقدت مؤتمراً في 21 حزيران عام 1943 برعاية المفتي محمد توفيق خالد، رفضاً للمرسومين. ونجحت الكتلة في اتصالاتها الداخلية والخارجية في تعديلهما. فالمرسوم الأول يرفع عدد النواب المسيحيين 32 مقابل 22 نائباً للمسلمين، وقد عُدّل فأصبح عدد مقاعد النواب 55، 30 منهم للمسيحيين و25 منهم للمسلمين. أما المرسوم الثاني، فيوزّع الزيادة على الدوائر الانتخابية. (محمد جميل بيهم، "قوافل العروبة ومواكبها خلال العصور، ج2).

وبعد أن تولّى رياض الصلح رئاسة الوزراء عام 1943، دُعي لحضور اجتماع الكتلة الإسلامية في منزل رئيسها. ناقشه المجتمعون فيما اتفق مع الرئيس بشارة الخوري، بشأن الميثاق الوطني وحقوق المسلمين. فأجابهم بأنه اتفق معه على إلغاء الطائفية بعد أن تسمح الظروف السياسية. وأنّ توزيع الرئاسات الثلاث على الطوائف ليس نهائياً، بل ستكون مداورة بين الطوائف على الرئاسات. وأنّه تعاون مع الرئيس بشارة الخوري بشأن مارونية المنصب الأول من أجل طمأنة المسيحيين، وقد تمتدّ لعهدين متتاليين، وهي حقبة كافية لإلغاء الطائفية، والتأكيد على أنّ لبنان سيبقى مستقلاً، ولن يلحق بأيّ اتحاد عربي. (حسان حلاق، "الجذور التاريخية للميثاق الوطني اللبناني").

لم يمهله الوقت كي يرى نتائج الاتفاق والميثاق، فقد اغتيل عام 1951 في الأردن. وسيرتقي بعده اغتيالاً على الطريق إلى لبنان، رئيسان من أهم الشخصيات السنية: رشيد كرامي (1987) ورفيق الحريري (2005). وكذلك علاّمة لبنان والعالم العربي الشيخ الدكتور صبحي الصالح (1986)، ومفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد (1989). إنه التوفيق الصعب والمكلف جداً بين لبنان والعروبة.    

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق لماذا ترك الخليج لبنان؟ الجواب عند الكاظمي!
التالى موجة كورونا الثانية في لبنان: إقفال تام أو انهيار تام