تابع إحصائيات فيروس كورونا لحظة بلحظة

"هيروشيما" لبنان وانهياره..

"هيروشيما" لبنان وانهياره..
"هيروشيما" لبنان وانهياره..

إشترك في خدمة واتساب

كتب يوسف بزي...

ما هو "الانهيار"؟ إنه هذا اليوم: 4 آب. حين شعر سكان ، حوالى الساعة السادسة مساء، بزلزال وعصف هوائي وسمعوا دوياً لم يسمعوا مثله من قبل، وشاهدوا فطراً من دخان يصعد السماء كهيروشيما جديدة مباغتة ومرعبة.

وإذ عشت حروب كلها منذ العام 1975 إلى اليوم، أجزم أن لا انفجار بتاريخ لبنان يضاهي بعنفه وشدته هذا الذي وقع في ، وهزّ مبانيها كما لو أنها على وشك السقوط. "قنبلة فراغية" بحجم العاصمة.

السطر الأول في شريط الأخبار كان: انفجار عند مدخل "بيت الوسط". وهو قابل للتصديق تماماً. القتلة، استبقوا قرار المحكمة وتحدّوا اللبنانيين والعالم مجدداً وزرعوا طن متفجرات جديداً لقتل الإبن، سعد الحريري. إنهم يعاودون السيناريو نفسه. المشهد عينه.

الأخبار التالية، لهجت باسم . مستودع أسلحة للحزب في المرفأ.. وربما سفينة إيرانية محشوة بالصواريخ. ربما الصوامع معبأة بالذخائر. بعض الوسائل الإعلامية، نحت بلا تحفظ إلى هذه الرواية. فلا تفسير آخر. إنها فرضية منطقية تماماً وتتماشى مع واقع الحال و"أسراره" التي يهمس بها الجميع.

ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، تداولوا تسجيلات صوتية يؤكد أصحابها أنهم شاهدوا طائرات حربية تطلق صاروخين نحو المرفأ. إذاً، إنها إسرائيل وقد ضربت شحنة أسلحة تابعة لحزب الله. رواية يمكن تصديقها فوراً. بل ومتوقع حدوثها، بما يتسق مع "المثابرة" الإسرائيلية شبه اليومية فوق سماء المشرق العربي كله، وخصوصاً سماء سوريا المستباحة من الجميع (وبالأخص، من طائرات نظام البراميل الأسدي).

ولأن الدقائق الأولى كانت "صدمة" بأشد معاني هذه الكلمة، ولأن الانفجار كان هائلاً إلى حد أن من يسكن أطراف بيروت أو ضواحيها ظن أن الانفجار لا بد في قلب الحيّ الذي يسكنه، تحولت الأخبار إلى القول أن ثمة انفجارات في الضاحية الجنوبية وفي بيروت. فرحنا نقول: لقد بدأت إسرائيل الحرب بسلسلة غارات غير مسبوقة.

هذه أيضاً فرضية أشبه بتحقق ما هو متوقع. اللبنانيون، منذ شهر على الأقل، يتوجسون من هجوم إسرائيلي كاسح ومدمر، ينتهز حالة الاهتراء التي يعيشها لبنان. احتمال تلقفناه لتفسير هذا الانفجار الذي يفوق الوصف.

ثم أتت الأخبار الأولى عن "مفرقعات". حادثة عرضية. لم نصدق طبعاً. وعلى الفور أحلنا هذه الأخبار إلى تلفيقات التمويه والتغطية والخداع. قلنا: "مفرقعات؟ مستحيل. يا للكذبة السخيفة". بل أننا بسبب هكذا خبر رحنا نصدق أكثر الاحتمال "التخريبي" أو الحربي (غارة، تفجير متعمد، قصف صاروخي..).

مسارعة اللواء عباس ابراهيم لتتفيه رواية المفرقعات، وحديثه عن "مواد شديدة الانفجار"، بدت لنا تداركاً لسذاجة كذبة "المفرقعات" وصعوبة تسويقها. فاللواء، الذي لديه خبرة واسعة، أمنية وسياسية وديبلوماسية ومخابراتية، ربما كان أفضل من يتولى مهمة تجاوز رواية "المفرقعات" وضررها على صدقية الخبر الرسمي المنتظر.

هنا جاء دور مدير عام الجمارك، دور السنّيد لما صرح به مدير عام الأمن العام: "مادة النترات هي السبب في الانفجار". بعض الفيديوات التي تظهر حريقاً في عنابر، ثم الأخبار عن فرق الإطفاء هناك في المرفأ، مترافقة مع تصريحات إسرائيلية تنفي أي صلة لها بالحدث، جعلتنا للمرة الأولى نميل أو نتقبل نظرية "الحادث العرضي"، رغم أننا بغريزتنا السياسية، نادراً ما نصدق الروايات الرسمية وما ينطق به موظفو الدولة وأسيادها.

ما يدفعنا إلى التصديق أن انفجاراً ضخماً في مرفأ بيروت ناتج عن حادث عرضي نتيجة إهمال أو سوء تقدير ليس ثقتنا بما يقوله أهل السلطة و"تكنوقراطيوها" في بياناتهم وتحقيقاتهم وتقاريرهم. بل ثقتنا الراسخة أن ذاك الإهمال (والفساد) هو مسبب حقيقي للكوارث. لا، بل وقناعتنا أن هذه السلطة قادرة على إلحاق الضرر بالبلاد، تماماً كما يمكن لحرب أن توقعه بنا.

ويمكن القول هنا، أن "الانهيار" هو بالضبط هذا، انعدام الأمان، وقوع حياة اللبنانيين بخطر دائم، جوعاً وإفلاساً وحرباً وسلاحاً غير شرعي وعجزاً شاملاً في المؤسسات والإدارة وخراباً بالبنية التحية، فساداً بلا حدود في المرافئ والمرافق والخدمات وفي تطبيق القوانين وتحلل القيم العامة وانعدام حس المسؤولية وطغيان التكالب والتكسب.

إنه عهد "الانهيار"، ومنظومته وسلطاته وإداراته وحكومته وحزبه الحاكم. إنه لبنان اليوم، القابل لتصدق فيه كل الروايات المرعبة، غير الصالح للعيش.. والقابل للانفجار كهيروشيما عبثية، كـ"مفرقعات" قاتلة. 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق "جهنّم إكسبرس".. من فنزويلا إلى لبنان
التالى بعد استنزاف الاحتياطي: الدولار إلى 21 ألف ليرة؟